صديق الحسيني القنوجي البخاري

209

فتح البيان في مقاصد القرآن

كما يقال استسقى أي استدعى السقيا ، فالاستقسام طلب القسم والنصيب والحكم من القداح ، وجملة قداح الميسر عشرة وكانوا يضربون بها في المقامرة . وقيل إن الأزلام كعاب فارس والروم التي يتقامرون بها ، وقيل هي النرد وقيل الشطرنج ، وإنما حرم اللّه الاستقسام بالأزلام لأنه تعرض لدعوى علم الغيب وضرب من الكهانة ، قال الزجاج : لا فرق بين هذا وبين قول المنجمين لا تخرج من أجل نجم كذا واخرج لطلوع نجم كذا ، وأنكر ذلك في شرح التأويلات بما لا يسمن ولا يغني من جوع . ذلِكُمْ إشارة إلى الاستقسام بالأزلام خاصة أو إلى جميع المحرمات المذكورة هنا فِسْقٌ لأنه وإن أشبه القرعة فهو دخول في علم الغيب وذلك حرام لقوله تعالى : وَما تَدْرِي نَفْسٌ ما ذا تَكْسِبُ غَداً [ لقمان : 34 ] وقال : لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ [ النمل : 65 ] والفسق الخروج من الحد ، وقد تقدم بيان معناه ، وفي هذا وعيد شديد لأن الفسق هو أشد الكفر لا ما وقع عليه اصطلاح قوم من أنه منزلة متوسطة بين الإيمان والكفر . الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ المراد باليوم الذي نزلت فيه الآية هو يوم فتح مكة لثمان بقين من رمضان سنة تسع ، وقيل سنة ثمان ، وقيل إن ذلك هو يوم عرفة فنزلت هذه الآية والنبي صلى اللّه عليه وآله وسلم واقف بعرفة ، وقيل المراد باليوم الحاضر وما يتصل به ولم يرد يوما معينا أي حصل لهم اليأس من إبطال أمر دينكم وأن يردوكم إلى دينهم كما كانوا يزعمون ، واليأس انقطاع الرجاء وهو ضد الطمع . فَلا تَخْشَوْهُمْ أي لا تخافوا الكفار أن يغلبوكم أو يبطلوا دينكم فقد زال الخوف عنكم بإظهار دينكم وَاخْشَوْنِ فأنا القادر على كل شيء إن نصرتكم فلا غالب لكم ، وإن خذلتكم لم يستطع غيري أن ينصركم . الْيَوْمَ المراد يوم الجمعة وكان يوم عرفة بعد العصر في حجة الوداع ، هكذا ثبت في الصحيح من حديث عمر بن الخطاب ، وقيل نزلت في يوم الحج الأكبر ، وقال ابن عباس : نزلت في يوم عيدين ، في يوم جمعة وعرفة أخرجه الترمذي وقال حسن غريب . أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ أي جعلته كاملا غير محتاج إلى إكمال لظهوره على الأديان كلها وغلبته لها ، ولكمال أحكامه التي يحتاج المسلمون إليها من الحلال والحرام والمشتبه ، والفرائض والسنن والحدود والأحكام وما تضمنه الكتاب والسنة من ذلك ، ولا يخفى ما يستفاد من تقديم قوله : ذلِكُمْ . قال الجمهور : المراد بالإكمال هنا نزول معظم الفرائض والتحليل والتحريم قالوا : وقد نزل بعد ذلك قرآن كثير كآية الربا وآية الكلالة ونحوهما ، وقيل لم ينزل